محمد طاهر الكردي
270
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
قال مكحول : حدثني سداد بن أوس قال : « بينا نحن جلوس عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إذ أقبل شيخ من بني عامر وهو مدرة قومه وسيدهم ، شيخ كبير يتوكأ على عصا ، فمثل بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم قائما ، ونسبه إلى جده فقال : يا ابن عبد المطلب إني أنبئك أنك تزعم أنك رسول اللّه إلى الناس ، أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ألا وإنك فوهت بعظيم . وإنما كانت الأنبياء والخلفاء في بيتين من بني إسرائيل وأنت ممن يعبد هذه الحجارة والأوثان ، فما لك وللنبوة ، ولكن لكل قول حقيقة ، فأنبئني بحقيقة قولك وبدء شأنك . قال : فأعجب النبي صلى اللّه عليه وسلم بمسألته ، ثم قال : يا أخا بني عامر إن لهذا الحديث الذي تسألني عنه نبأ ومجلسا ، فاجلس ، فثنى رجليه ثم برك كما يبرك البعير . فاستقبله النبي صلى اللّه عليه وسلم بالحديث فقال : يا أخا بني عامر ، إن حقيقة قولي وبدء شأني أني دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى أخي عيسى بن مريم ، وأني كنت بكر أمي ، وإنها حملت بي كأثقل ما تحمل ، وجعلت تشتكي إلى صواحبها ثقل ما تجد . ثم إن أمي رأت في المنام أن الذي في بطنها نور . قالت : فجعلت أتبع بصري النور والنور يسبق بصري ، حتى أضاءت مشارق الأرض ومغاربها . ثم إنها ولدتني فنشأت . فلما أن نشأت بغضت إليّ أوثان قريش ، وبغض إليّ الشعر . وكنت مسترضعا في بني ليث ابن بكر . فبينا أنا ذات يوم منتبذ من أهلي في بطن واد مع أتراب لي من الصبيان ، نتقاذف بيننا بالجلة ، إذ أتانا رهط ثلاثة معهم طست من ذهب مليء ثلجا ، فأخذوني من بين أصحابي ، فخرج أصحابي هربا حتى انتهوا إلى شفير الوادي ، ثم أقبلوا على الرهط فقالوا : ما أربكم إلى هذا الغلام ، فإنه ليس منا ، هذا ابن سيد قريش ، وهو مسترضع فينا ، غلام يتيم ليس له أب ، فماذا يردّ عليكم قتله ؟ وماذا تصيبون من ذلك ، ولكن إن كنتم لا بد قاتليه فاختاروا منا أينا شئتم فليأتكم مكانه فاقتلوه ، ودعوا هذا الغلام فإنه يتيم . فلما رأى الصبيان القوم لا يحيرون إليهم جوابا انطلقوا هربا مسرعين إلى الحي يؤذنونهم ويستصرخونهم على القوم . فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا ، ثم شق ما بين مفرقي صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه لم أجد لذلك مسا ، ثم أخرج أحشاء بطني ، ثم غسلها بذلك الثلج ، فأنعم غسلها ، ثم أعادها مكانها ، ثم قام الثاني منهم فقال لصاحبه : تنح فنحاه عني ، ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي وأنا أنظر إليه . فصدعه ، ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها ، ثم مال بيده يمينا منه كأنه يتناول شيئا ، فإذا أنا بخاتم في يده من نور